عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
480
اللباب في علوم الكتاب
وقوله : « عزيز » يدلّ على الزّجر ، والتهديد ، والوعيد ؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع عن مراده ، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة ، وهو تعالى قادر على كل الممكنات ، فكأنّه تعالى قال : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » فاعلموا أنّ اللّه قادر عليكم ، لا يمنعه عنكم مانع ، وهذا نهاية في الوعيد ، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب ؛ كقول السيّد لعبده : إن عصيتني فأنت عارف بي ، وتعلم قدرتي عليك ، والآية كما أنها تدلّ على نهاية الوعد بقوله : « حكيم » فإنّ اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسئ ، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسئ يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة ، وأقرب للرحمة ، وهذه الآية تدلّ على أنّه لا وجوب لشيء قبل الشّرع ؛ لأنه تعالى أثبت التهديد بشرط مجيء البينات ، وقبل الشرع لم تحصل كلّ البيّنات . فصل [ في معني كونه تعالى حكيما ] قال الجبّائيّ « 1 » : المجبرة تقول : إن اللّه تعالى يريد الكفر من الكفّار ، والسّفاهة من السّفهاء ، واللّه تعالى وصف نفسه بأنه حكيم ، ومن فعل السّفه وأراده لا يكون حكيما ، وأجيب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور ، فمعنى كونه تعالى حكيما أنّه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقا لكل الأشياء ، ومريدا لها . فصل يحكى أنّ قارئا قرأ « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » * فسمعه أعرابيّ ، فأنكره ؛ وقال : إنّ هذا كلام اللّه تعالى فلا يقول كذا ؛ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزّلل ؛ [ لأنه إغراء عليه ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 210 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) « هل » لفظه استفهام والمراد به النفي ؛ كقوله : [ الطويل ] 1027 - وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت * غويت ، وإن ترشد غزيّة أرشد « 2 » أي : ما ينظرون ، وما أنا ، ولذلك وقع بعدها « إلّا » كما تقع بعد « ما » . و « هل » تأتي على أربعة أوجه :
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 180 . ( 2 ) البيت لدريد بن الصمة ينظر : الحماسة 1 / 397 ، الأصمعيات ( 107 ) ، الخزانة 4 / 513 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 815 ، وشرح شواهد المغني 2 / 938 ، والشعر والشعراء 2 / 754 ، واللسان ( غزا ) و ( غوى ) ، وجواهر الأدب ص 36 ، والبحر 2 / 132 ، والدر المصون 1 / 512 .